درستُ الهندسة المدنية وعملتُ بها فترة، ثم انتقلتُ إلى اللغة. ولم يذهب ما تعلّمتُه هناك هدرًا؛ منه جاءت طريقتي في العمل: أن يُبنى النصّ على نظام، لا على مزاج.
ونقلُ نصٍّ من لغةٍ إلى لغة لا يكفيه إتقان اللغتين. يلزمه أن تُدرك نيّة الكاتب لا عبارته وحدها، وأن تميّز التفصيلة التي وضعها عمدًا من التي أفلتت منه. هذه الحساسية للتفاصيل ظننتُها زمنًا ضعفًا فيّ، ثم تبيّن أنها عُدّة المهنة كلها.
عملي على النصّ يبدأ بقراءةٍ تحليلية، ثم قائمةِ مصطلحاتٍ ودليلٍ أسلوبي، ثم مراجعةٍ على مراحل — كي يصل الصوتُ والنبرةُ والإيقاعُ دون تبديل. خمس سنوات، ومئات المشاريع، وأكثر من عشرة ملايين كلمة عبرت بين العربية والإنجليزية.
وكثيرٌ من هذا العمل خرج بلا اسمي، وكان ذلك اختيارًا. أردتُ أن أعرف السوق من داخله: كيف يفكّر الناشر، وأين يتعثّر النصّ، وما الذي يجعل عملًا يُقبَل وآخر يُردّ. تعلّمتُ في تلك السنوات أكثر ممّا تعلّمتُه في أيّ مكانٍ آخر، واستمتعتُ بها، ولا أزال أعمل بهذه الطريقة حين يستدعي المشروع ذلك. غير أنّ ما أكتبه باسمي صار له مكان، وهذا المكان هو هنا.
ولستُ هنا لأُثبت شيئًا لأحد. تعلّمتُ متأخرًا أنّ الإساءة لا تُردّ بمثلها، وأنّ خير ردٍّ عليها عملٌ فيه عبرةٌ يبقى بعد صاحبه. أن تختار العمل الجيّد لأنه جيّد، لا لأنّ أحدًا ينظر.
و«حكايات» هي حيث يبدأ ذلك: قصصٌ أكتبها وأنشرها هنا حلقةً حلقة.
إن كان لديك نصٌّ يحتاج أن يعبُر إلى لغةٍ أخرى، أو روايةٌ تنتظر أن تُكتَب — أكتبها معك أو باسمك — فاكتُب لي.